التاريخ الكامل لمنزل بورقيبة منذ عهد الإستعمار
تعدّ مدينة منزل بورقيبة من المدن حديثة العهد التي أنشأها المستعمرون في العام الأخير من القرن التاسع عشر، لتكون لهم حصناً وملاذاً، فخططوا على نمط أوروبا حتى لا يشعروا بالعزلة، ورغبة منهم بالتالي في استيطان هذه الربوع. لقد سميت هذه المدينة منذ نشأتها وحتى طروج عصر الاستقلال باسم أحد أساطين الاستعمار والمخططين لسياسته في القرن الماضي وهو جول فيري، فكانت تعرف باسم "فيري فيل".
اختار هذا الداهية موقع المدينة، وكان قد قام يوم 23 أفريل 1887 بجولة بحرية فوق مياه بحيرة بنزرت أشرف خلالها على المواقع الهامة. وعند عودته قال بعنجهيّة و صلف: "إن هذه البحيرة وحدها تضاهي في قيمتها الاستراتيجية قيمة القطر التونسي كله." وبالفعل بدأ في تخطيط المدينة وإقامة المنشآت والمؤسسات فيها، فحفرت أحواض الترسخانة، وشيد مستشفى سيدي عبد الله، وأقامت الثكنات العسكرية. وبحلول عام 1888 كانت الأشغال قد اكتملت.
ولكي تنعم المدينة برزقها، هيأت البحرية الفرنسية مناطق زراعية كاملة لإنتاج الخضروات والكروم والغلال، واستقدمت عائلات من صقلية متخصصة في الزراعة. بداية من عام 1914 نشطت الحركة الاستعمارية في تطوير المنطقة وتركزت دعائمها فيها، حيث خصصت إدارة الفلاحة أكثر من ثلاثمائة قطعة أرض للمزارعين والعمال الأجانب لتوطينهم نهائياً.
كان للترسخانة دور كبير في ترسيخ الاستعمار، خصوصاً مع نمو عدد السكان الأوروبيين. في سنة 1931، كان سكان البلدة 8,216، منهم 892 فقط من التونسيين. ومع ذلك، بدأ العنصر التونسي في التزايد لاحقاً حين قدم الكثير من سكان البلاد للعمل في الترسخانة.
موقع المدينة كان في سهل ممتد يمتلكه عشيرتان: "الشلاغمية" و"قبطنة"، وكان يعرف سابقاً بسهل "السبيحة" و"القصيبة". السلطات الفرنسية انتزعته لصالح شركة شمال إفريقيا، وقامت بتقطيعه لقطع صالحة للبناء ومنحت ملكيتها للأجانب، مع تعبيد الطرقات وفق نمط أوروبي كامل.
الأحياء الأوروبية كانت منظمة وحديثة، أما أحياء التونسيين فكانت فقيرة وخالية من المرافق الأساسية، مما دفع المواطنين إلى إنشاء جمعيات خيرية ورياضية وثقافية لنشر الوعي الوطني والسياسي بين الشباب.
انضم عدد كبير من شباب المدينة إلى الحزب الحر الدستوري بقيادة الحبيب بورقيبة، وبرز نشاطهم في الإضرابات والمظاهرات، مثل مظاهرة 9 أفريل 1938 ومظاهرة 17 جانفي 1952، التي اصطدمت بالقوات الفرنسية وأسفرت عن اعتقالات وعقوبات قاسية. كما شارك الأهالي في عمليات فدائية ضد المستعمرين.
بعد الاستقلال، تم تغيير اسم المدينة إلى منزل بورقيبة تكريماً للرئيس الحبيب بورقيبة، لتكون المدينة رمزاً للانتصار الوطني على الاستعمار.
في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كانت الصناعة في منزل بورقيبة محور الرقي. في زمن الاستعمار، كانت المؤسسات الصناعية تابعة للترسخانة البحرية، ويعمل بها آلاف العمال الفرنسيين والتونسيين، وكانت أجور العمال التونسيين أقل بكثير من أجور العمال الفرنسيين حتى بعد تعديل جزئي في 1937 وتسوية كاملة سنة 1946.
بعد الاستقلال، أُغلق معمل ترسخانة عام 1962 وغادر الأجانب المدينة، فتدهورت الحياة الاقتصادية والاجتماعية، لكن الحكومة التونسية أسست مشاريع كبرى لإعادة النشاط الصناعي مثل معمل "الفولاذ" لتشغيل العمال التونسيين وتحريك عجلة الإنتاج في المنطقة.